آمـــــال وحـــبــال
سعيد الأمين - المغرب
يـونـيو2005
مقطع من رواية غير منشورة بعد بعنوان آمال وحبال
نزل من الحافلة وفي يده حقيبة صغيرة الحجم تبدو من شكلها وجلدها المهترئ أنها قديمة الصنع، وأن صاحبها لم يغيرها منذ أن ابتاعها. وقف هنيهة رافعا رأسه في البناء العالي الذي أمامه ينظر إليه ويقول في قرارة نفسه :"كما تركتك، أنت كما أنت، لم تتغير،" فأخرج نفسا عميقا ثم أضاف مُسرا: "وكيف تتغير في عشرين سنة ولم تستطع قبل ذلك قرون أن تنال منك. ها أنت ذا باب بردعين كما عرفتك وعرفك آلاف غيري، لا تزال صامدا مصرا على تحدي الزمان وتأنف أن تركن لهرمك. أما أنا فكما ترى، ليس لي من الفسيفساء ما أخفي به تجاعيد وجهي، ولا صلابة أعمدة تقوم انحناء ظهري، فشتان بيني وبينك." ثم بدأ يتقدم وهو لا يزال يجول ببصره في علياء الباب حتى وقعت عيناه على الطرف الداخلي منه، وقد تمت عملية إعادة تشييده على ما بدا له، فأخذ نفسا طويلا تحسرا على مآل هذا الباب العظيم. لكنه سرعان ما ابتسم ابتسامة شماتة مردفا إياها بحديث في نفسه : "آلمزوق من برا آش خبارك من الداخل، والله أعلم داخل الداخل كيف هو."
اجتاز الباب إلى الداخل وهو ينتقي مواضع قدميه من كثرة روث الحمير، ومن الوحل العالق بين الحفيرات المترامية على أرجاء الطريق، كأنها آثار تركتها حوافر أحصنة العهد الإسماعيلي.
ومن الجانب الأيسر من الباب صدر صوت خافت تلقـفته كل الآذان حتى البعيدة بأمتار من المصدر: شاب طويل القامة، نحيف الجسم، في وجهه شيء كالخشب القديم المخدوش، أزرق الشفاه، أسنانه يغلب السواد بياضها، وهو يهمس- وفي همسه جهر- لأصحابه باللهجة المكناسية "ها هو زاي من ناحية سيدي زبل." وقد كان الشاب يقصد "ها هو قد جاء من ناحية سيدي جبل."
وما إن أتى الرجل ليلتفت وينظر من القادم حتى إذا برائحة تنبعث عن يمينه زادت من انكماش تجاعيد الوجه. تساءل عن مصدر هذه الرائحة، فإذا بعينيه تقعان على كثبان من الأزبال تخفي سيقان أطفال يترصدون الجرذان فيها لاصطيادها. وقال بنبرة لا تخلو من التهكم : "صدقت يا شاب أظن أن اسم ‘ سيدي زبل’ هو الأنسب." وما إن استدار ليواجه الشاب حتى إذا بأسوار صماء تقلب حديثه تبسما.
استمر الرجل في طريقه، وبعد أن خطا بعضا من الخطوات، إذا برهط من الناس أغلبهم شباب متحلقون حول أحدهم بسيدي جبل، تساءل:
"ماذا هناك يا ترى؟ أحادثة سير؟ لا، أمر مستبعد. المكان بعيد عن ممر السيارات. شجار؟ لا لا، الأمر لا يوحي بذلك، فلو كان كذلك لما استنكفت الأصوات أن تتعالى، إذا قمار؟ لكن المقامرون ينحنون إلى الأرض."
نفذت منه الاحتمالات وكاد الفضول يقتله لو لم ير ذلك الشاب وقال :
"آه، ها هو صاحبنا، هه، سيدي زبل، ترى ماذا يفعل؟"
وما إن انتهى من حواره الداخلي حتى إذا بقطعة من فئة عشرة دراهم توضع في كف بيضاء بين غابة من الأيد الممتدة نحوها، فأدرك أن الأمر يتعلق بترويج المخدرات.
أزاح يده عن مقبض الحقيبة ممسكا إياها باليد الأخرى من الحزام، وعلقها على كتفه بعد أن أضنت عضلات يده الهرمة. ثبت قبعته على رأسه مخفيا جزءا كبيرا من جبهته وأتبعها بنظارات شمسية يبدو عليها أنها طلقت الموضة منذ أمد بعيد، فلم يعد يظهر من قسمات وجهه إلا ما لم تستطع لحيته بعد ذلك أن تحجبه.
ترك مشهد (التبزنيس) متجها إلى المقهى الواقع خلف السيارات المودوعة على طول الساحة. جلس على كرسي بأرضيتها المحدودة بجدران قصبية، وجعل ينظر إلى زبائنها لعله يعرف أحدا. لكن الجميع هناك لا يتجاوز سنهم الأربعين والتعرف على أحدهم بات أمرا صعبا، خاصة وأن أغلبهم كان في سن المراهقة أو طفلا.
طلب من النادل كوب قهوة واستل من جيب قميصه سيجارة قصيرة القد، وضعها مباشرة بين شفتيه دون أن يتفحص بيده الطرف القطني فيها، فأشعلها بعدما جاءه النادل بطلبه، وسرح به فكره:
عشرون سنة ونيّف، لاشيء تغير، سوى وجوه لم أكن أراها، أو كراسي وطاولات عوضت الحصير في المقهى، وهذا التلفاز بالألوان الذي حل محل سابقه بالأبيض والأسود، وموديلات السيارات التي تتغير عاما بعد آخر، أما الأسوار فكما هي، تخفي المعاناة خلفها،. المباني تشتكي من قهر الزمان. الحمير تشارك الناس في الطرقات. حتى كلاب المستودع فهي لا تزال كما كانت مستلقية على قارعة الطريق لا تأبه بأحد من البشر. البشر، الناس، المروك، كلمات لم يكن لها حظ في الحسبان لدي، وكل ذلك من هؤلاء الذين أحبوا العيش تحت الأقدام ورضوا بالذل والهوان، فعشت بينهم كالسيد بين العبيد والجواري، إلا من رحم ربي ممن أشهد لهم بالقطيعة مع النفاقـ إلى أن فعلت فعلتي تلك فتركت الجمل بما حمل.
غير وضعية رأسه نحو الأفق وجعل ينظر في زرقة السماء مكملا تفكيره. أتراك لا تزالين جميلة وضاءة لأن تتركي ضحايا لجاذبيتك.
ترك وجهه نحو الأفق وتتبع لهيب السيجارة بعينيه.
ضحية من كان التهامي؟ ضحيتي أنا الذي قتلته أم ضحية جمالك الذي فـُتنت به؟ أم كلانا ضحيتك؟ هو لأنه زوجك وأنا لأنه لم يسبق لأحد وأن وقف في طريق ما أريد، فكان التهامي ذكيا فطنا حتى ألقى به عناده تحت وطأتي.
اجتر دخان السيجارة ووضع يده على خده:
لا، لم نكن نحن الضحيتين فقط، بل أنت نفسك ضحية لجمالك، فكم كنت وأشهد بذلك مخلصة لزوجك، وذلك ما كان ينبش كبريائي. والرابع الذي هو ابنك: كان أكثر حظا من أبيه في تلك الـ…
فإذا بهمس كسابقه الذي كان عند الباب يخرجه من فكره:
"بوالحبال قادم."
ثم إذا بسحابة من الناس تنقشع شيئا فشيئا عن ذلك (البزناس

















