آمال وحبال-1

ديسمبر 8th, 2007 كتبها سعيد الأمين نشر في , ثقافة, شبابيات, عربيات, قصة, قصص

آمـــــال وحـــبــال

سعيد الأمين - المغرب

يـونـيو2005

مقطع من رواية غير منشورة بعد بعنوان آمال وحبال

نزل من الحافلة وفي يده حقيبة صغيرة الحجم تبدو من شكلها وجلدها المهترئ أنها قديمة الصنع، وأن صاحبها لم يغيرها منذ أن ابتاعها. وقف هنيهة رافعا رأسه في البناء العالي الذي أمامه ينظر إليه ويقول في قرارة نفسه :"كما تركتك، أنت كما أنت، لم تتغير،" فأخرج نفسا عميقا ثم أضاف مُسرا: "وكيف تتغير في عشرين سنة ولم تستطع قبل ذلك قرون أن تنال منك. ها أنت ذا باب بردعين كما عرفتك وعرفك آلاف غيري، لا تزال صامدا مصرا على تحدي الزمان وتأنف أن تركن لهرمك. أما أنا فكما ترى، ليس لي من الفسيفساء ما أخفي به تجاعيد وجهي، ولا صلابة أعمدة تقوم انحناء ظهري، فشتان بيني وبينك." ثم بدأ يتقدم وهو لا يزال يجول ببصره في علياء الباب حتى وقعت عيناه على الطرف الداخلي منه، وقد تمت عملية إعادة تشييده على ما بدا له، فأخذ نفسا طويلا تحسرا على مآل هذا الباب العظيم. لكنه سرعان ما ابتسم ابتسامة شماتة مردفا إياها بحديث في نفسه : "آلمزوق من برا آش خبارك من الداخل، والله أعلم داخل الداخل كيف هو."

اجتاز الباب إلى الداخل وهو ينتقي مواضع قدميه من كثرة روث الحمير، ومن الوحل العالق بين الحفيرات المترامية على أرجاء الطريق، كأنها آثار تركتها حوافر أحصنة العهد الإسماعيلي.

ومن الجانب الأيسر من الباب صدر صوت خافت تلقـفته كل الآذان حتى البعيدة بأمتار من المصدر: شاب طويل القامة، نحيف الجسم، في وجهه شيء كالخشب القديم المخدوش، أزرق الشفاه، أسنانه يغلب السواد بياضها، وهو يهمس- وفي همسه جهر- لأصحابه باللهجة المكناسية "ها هو زاي من ناحية سيدي زبل." وقد كان الشاب يقصد "ها هو قد جاء من ناحية سيدي جبل."

وما إن أتى الرجل ليلتفت وينظر من القادم حتى إذا برائحة تنبعث عن يمينه زادت من انكماش تجاعيد الوجه. تساءل عن مصدر هذه الرائحة، فإذا بعينيه تقعان على كثبان من الأزبال تخفي سيقان أطفال يترصدون الجرذان فيها لاصطيادها. وقال بنبرة لا تخلو من التهكم : "صدقت يا شاب أظن أن اسم ‘ سيدي زبل’ هو الأنسب." وما إن استدار ليواجه الشاب حتى إذا بأسوار صماء تقلب حديثه تبسما.

استمر الرجل في طريقه، وبعد أن خطا بعضا من الخطوات، إذا برهط من الناس أغلبهم شباب متحلقون حول أحدهم بسيدي جبل، تساءل:
"ماذا هناك يا ترى؟ أحادثة سير؟ لا، أمر مستبعد. المكان بعيد عن ممر السيارات. شجار؟ لا لا، الأمر لا يوحي بذلك، فلو كان كذلك لما استنكفت الأصوات أن تتعالى، إذا قمار؟ لكن المقامرون ينحنون إلى الأرض."

نفذت منه الاحتمالات وكاد الفضول يقتله لو لم ير ذلك الشاب وقال :

"آه، ها هو صاحبنا، هه، سيدي زبل، ترى ماذا يفعل؟"

وما إن انتهى من حواره الداخلي حتى إذا بقطعة من فئة عشرة دراهم توضع في كف بيضاء بين غابة من الأيد الممتدة نحوها، فأدرك أن الأمر يتعلق بترويج المخدرات.

أزاح يده عن مقبض الحقيبة ممسكا إياها باليد الأخرى من الحزام، وعلقها على كتفه بعد أن أضنت عضلات يده الهرمة. ثبت قبعته على رأسه مخفيا جزءا كبيرا من جبهته وأتبعها بنظارات شمسية يبدو عليها أنها طلقت الموضة منذ أمد بعيد، فلم يعد يظهر من قسمات وجهه إلا ما لم تستطع لحيته بعد ذلك أن تحجبه.

ترك مشهد (التبزنيس) متجها إلى المقهى الواقع خلف السيارات المودوعة على طول الساحة. جلس على كرسي بأرضيتها المحدودة بجدران قصبية، وجعل ينظر إلى زبائنها لعله يعرف أحدا. لكن الجميع هناك لا يتجاوز سنهم الأربعين والتعرف على أحدهم بات أمرا صعبا، خاصة وأن أغلبهم كان في سن المراهقة أو طفلا.

طلب من النادل كوب قهوة واستل من جيب قميصه سيجارة قصيرة القد، وضعها مباشرة بين شفتيه دون أن يتفحص بيده الطرف القطني فيها، فأشعلها بعدما جاءه النادل بطلبه، وسرح به فكره:

عشرون سنة ونيّف، لاشيء تغير، سوى وجوه لم أكن أراها، أو كراسي وطاولات عوضت الحصير في المقهى، وهذا التلفاز بالألوان الذي حل محل سابقه بالأبيض والأسود، وموديلات السيارات التي تتغير عاما بعد آخر، أما الأسوار فكما هي، تخفي المعاناة خلفها،. المباني تشتكي من قهر الزمان. الحمير تشارك الناس في الطرقات. حتى كلاب المستودع فهي لا تزال كما كانت مستلقية على قارعة الطريق لا تأبه بأحد من البشر. البشر، الناس، المروك، كلمات لم يكن لها حظ في الحسبان لدي، وكل ذلك من هؤلاء الذين أحبوا العيش تحت الأقدام ورضوا بالذل والهوان، فعشت بينهم كالسيد بين العبيد والجواري، إلا من رحم ربي ممن أشهد لهم بالقطيعة مع النفاقـ إلى أن فعلت فعلتي تلك فتركت الجمل بما حمل.
غير وضعية رأسه نحو الأفق وجعل ينظر في زرقة السماء مكملا تفكيره. أتراك لا تزالين جميلة وضاءة لأن تتركي ضحايا لجاذبيتك.
ترك وجهه نحو الأفق وتتبع لهيب السيجارة بعينيه.

ضحية من كان التهامي؟ ضحيتي أنا الذي قتلته أم ضحية جمالك الذي فـُتنت به؟ أم كلانا ضحيتك؟ هو لأنه زوجك وأنا لأنه لم يسبق لأحد وأن وقف في طريق ما أريد، فكان التهامي ذكيا فطنا حتى ألقى به عناده تحت وطأتي.

اجتر دخان السيجارة ووضع يده على خده:

لا، لم نكن نحن الضحيتين فقط، بل أنت نفسك ضحية لجمالك، فكم كنت وأشهد بذلك مخلصة لزوجك، وذلك ما كان ينبش كبريائي. والرابع الذي هو ابنك: كان أكثر حظا من أبيه في تلك الـ…
فإذا بهمس كسابقه الذي كان عند الباب يخرجه من فكره:

"بوالحبال قادم."

ثم إذا بسحابة من الناس تنقشع شيئا فشيئا عن ذلك (البزناس

المزيد


آمـــــال وحـــبــال

نوفمبر 28th, 2007 كتبها سعيد الأمين نشر في , ثقافة, قصة, قصص

 

آمـــــال وحـــبــال

سعيد الأمين - المغرب

يـونـيو2005 

 

مقطع من رواية غير منشورة بعد بعنوان آمال وحبال

كانت المجموعة العيساوية برئاسة المقدم مولاي الطاهر في نظامها المتناسق ودقة أداء أعضاء فرقتها أول الإيقاعات التي بدأت عليها ليلة حفل الزفاف، وتكاد تكون العادة في مدينة مكناس ألا تخلو الأعراس من هذا النمط من الفلكلور الخاص بالمدينة، ولما تتطلبه المناسبات العائلية إلى شيء من الأعراف والبروتوكولات التي اصطلح عليها في مثل هذه الطقوس. كان زدي مولاي الطاهر على ديباجة الفرقة برقصات التحييرة العساوية ذات البعد الصوفي، يتقدمها من رأس الدرب الذي بدأت منه الإيقاعات، إلى باب المنزل المزين بأعراش النخيل ومصابيح ملونة على شكل قوس بديع.

وما إن اجتازت الفرقة الباب إلى سرداب المنزل الذي ينتهي بفسحة العرصة حتى بدأت الصلوات على النبي تملأ كيان المنزل، وانطلقت النساء يزغردن إعلانا ببداية ليل بهيج. مهمة الفرقة العيساوية تنتهي عند حد وصولها عرصة المنزل، ولكي تنهي عملها على أحسن وجه لا بد لها من جعل الختام مسكا وبما يرضي الحاضرين. وها هي قد شملت التحييرة بعض الشباب واصطفوا بجانب أعضاء الفرقة وجوارحهم تهتز على تلك الإيقاعات التي بدأت في التصاعد.

وامتلكت الفرقة نفوس الحاضرين ولم ترحم أعصابهم، وبدأت الجوارح ترتج، وبأضعف الإيمان تتأرجح الرؤوس إلى الأمام ثم الخلف إلا من ليس به شيء من الجذبة.

واحتدت الإيقاعات وبلغت ذروتها، وانبعث صراخ عن غير وعي من إحدى الحاضرات في الصالة لم تستطع رفيقاتها كبح جماح (الأرواح) التي امتلكتها، وخلـّين سبيلها في رقصات رعناء يعتقدن أن (رجال المكان) هم من أمسكوا بزمامها.

وبدأت إرهاصات ظهور العروسين. وفي غمرة الموسيقى وأغاني الأوركيسترا الشعبية، تهاطل المدعوون للرقص في جانب الجوق. كانوا بداية شبابا، ثم ارتسم آثارهم البعض من الشيب. ولم تكن الفتيات والنساء أول المبادرين الخائضين غمار الرقص، ولكن كن يتأهبن لخلق جو خاص بهن داخل الصالة وباقي الغرف الفسيحة الخاصة بالمدعوات. إلا أن بعض صغار السن منهن لم يستنكفن أن يتسللن لوذا إلى العرصة بين الرجال، ويرفعن الحجاب على لعبة العفة والحشمة التي طالما أتقنـّها في مناسبات غير ذي هذا الحال .

وبدأت توزع على الحاضرين كؤوس الشاي مع عبق من ماء الزهر يحملها شباب متطوعون من المدعوين إلى الحفل على صينيات منقوشة من الفضة والنحاس مع أطباق حلويات الغريبة وكعب الغزال وحلوى التمر والكوكو وحلوى البريوات. وبينما تكلف عمر وبعض أصدقاءه أثناء حفل الشاي بالجالسين من الرجال في العرصة، أنيطت مهمة النساء داخل الصالة وباقي الغرف لنادية وشابات أخريات.

وليس من الغريب من شيء أن يلحظ المرء امتداد الأنظار وتجوالها بين الفتيات المدعوات، فضيفات الحفل لا يتوقفن عن الاستطلاع وانتقاء ما يناسب لهن أكثر لأبنائهن. وما ذلك بغائب عن أذهان الفتيات ليلبسن أجمل التكشيطات، ويتطيبن بأحلى العطور، ويعدلن من قاماتهن، ويظهرن من زينتهن، ويتحلين بما استطعن من الكياسة والنضج ولو إلى حين لا يتعدى بضع ساعات.

ولا نصيب في مجافاة الحقيقة فيما يتداول بينهم في حسن خلقة نادية وخلقها، ومهما بلغن من حسن وفتنة ما كن ليضاهينها جمالا ولو في أدق المعايير. ودنّت نادية الصينية بابتسامة عريضة إلى عمتيها رشيدة ومليكة، وأخذتا كأسين من الشاي، وبادلتاها الابتسام شكرا لها، فتابعت عملها .. وفتح ذلك حوارا بينهما. قالت رشيدة:

"مسكينة نادية، أشفق على حال

المزيد


هم أو لاأحـــد (قصة)

نوفمبر 18th, 2007 كتبها سعيد الأمين نشر في , ثقافة, شبابيات, عربيات, قصة, قصص

هم أو لاأحـــد

قصـــــة

في ماي 2006

 صراحة لا أدري من أين أبدأ، أو كيف أبدأ. ولا أدري حقيقة ما هو الشيء الذي دفعني إلى أن أكون على الخط. لم أتردد، وحملت السماعة. عفوا. وحملت القلم كي أكون أول من يتحدث، أو بالأحرى أول من يكتب في برنامجكم. عفوا. قصصكم : مواطنون على الخط. ربما تتساءل من أكون. من أنا وما اسمي. لا أكذبك القول، أنا لا أحد، أو ربما كل أحد. تستغرب. لا داعي للاستغراب.

تراه إشكالا فلسفيا؟ دعك من الفلسفة وجدالها العقيم.، ولكن للتواصل بيننا، فيمكنك نعتي إن أردت بـ"كحل الراس"، هكذا أفضل نكرة معرفا. وإن أردت بعد الحلقة أن تبحث عني فإني أنصحك ألا تفعل، ليس لأنك لن تجدني. لا لا. ألم أخبرك أنني ربما كل أحد. إذا قد أكون في كل مكان، ولكن أخشى أن يضنيك التعرف علي. تتساءل لماذا؟ لأنني وببساطة لا أحد. أظنك الآن فهمت، ولا أشك في ذكاءك، ولكن أرهف سمعك. عفوا. بصرك وكل ما قد تحتاجه كي تقرأ ما أقوله. عفوا مرة أخرى. بالأحرى ما أكتبه.

تنتظر قصتي؟ ليست مهمة. ولم يسبق لها أن حظيت ولو بقليل من الأهمية، فطالما رويتها في أكثر من مناسبة ولا أحد ألقى السمع وهو شهيد. لكن سأعيد قصها، ليس لسواد عينيك، فقط لأملي في أن تلفت انتباهك. أنا وكما سبق وأن قلت، كل أحد، على وجه النسبية لا الإطلاق. كل أحد تلتقيه: في الحي، في السوق، في المعمل، في المدرسة، في الكلية، في الإدارة، في مدينتك، في الطريق، على التلفاز، في اللوحات الاشهارية، على أغلفة المواد الاستهلاكية. في كل مكان. ولكن. حدك طنجة. كما يمكنني أن أكون –والله أعلم– أحدا قربك ينظر إليك الآن (لا تلتفت. ركز فيما أكتب)، أو يمكنني أن أكون وهذا في الغالب أنت نفسك.

أرأيت؟ فهمت الآن لماذا أخشى أن يضنيك التعرف علي؟ اتفقنا أنه لا داعي للاستغراب، ولا ترهق نفسك في التفكير. على كل حال. كأني لم أقل شيئا البتة. ما أسعدك إن كنت كل أحد! وما أتعسك إن كنت كل أحد مضافا ولا أحدا مضافا إليه. صعبة. لا أقصد على ذكائك وفهمك. أقصد وقعها صعب عليك. دعك من ذلك. لا شك أن التصريح أبلغ من التلميح. ولذلك إليك قصتي أنا اللا أحد، الكل أحد:

ولدت في وطن. وطن. ما أجمل هذه الكلمة! ولدت في وطن أنت تعرفه جيدا ولا داعي لأن أحدثك عنه، وطن شاءت الأقدار أن يكون تحت. تحت. تحت البحر الأبيض المتوسط، واقع ولن أزيد عن ذلك. أقصد متموقع، ولن أزيد عن ذلك، من المحيط إلى المحيط. ولدت سنة… لا أدري بالضبط. ولكن تقريبا سنة 1912 أو سنة 1948 أو1967 أو لعلها سنة 2003. بالضبط، لا أعلم. ولكن ميلادي يبدأ مع إحدى هذه السنوات وعلى الأرجح بداية حياتي تؤطرها هذه التواريخ.

يحكى أنني أتيت إلى الدنيا رغما وغصبا عني، كما يحكى أيضا أنني أبيت الخروج إليها إلا وأنا بالمقلوب، رجلي أولا. وقيل أيضا إنني مكثت كثيرا في بطن أمي ورفضت الخروج إلى أن تجاوزت فترتي الجنينية التسعة أشهر. ولعل من محاسن الصدف أن اخترعت العمليات القيسرية لمثل حالتي. وحسب ما روي لي أيضا أن عصياني وتمردي لم يكونا من محاسن الصدف كما العمليات القيسرية ولكنه لإطلاعي عن كثب لما كان ينتظرني في هذا البحر اللجي.

وصحيح القول إن كل ذلك ليس له أساس من الصحة، ليس لأن كل ما يحكى كان هراء في هراء، ولا لأنني أََكذِّب أحدا. بل لشيء واحد. كنت أحب الحياة. إذا، لم آت إلى الدنيا غصبا ورغما عني، ولم أكن أريد الخروج بالمقلوب من بطن أمي لأنني ما أعتدت أن أريد لها الشقاء، وكما أني لم أرفض بتاتا الخروج إلى الدنيا، لأنني وكما قلت، أحب الحياة. كيف يمكنني أن أكون من العصاة المتمردين وأنا ذلك الجنين البريء الذي لا حول له ولا قوة، وكيف بالله عليك أتطلع إلى ما كان ينتظرني وأنا مغمض العينين.

ليس كذلك. كنت أعجل الناس على حياة. قليلون هم من أتموا التسعة أشهر، كما هم قليلون من تعدوها في أحشاء أمهاتهم. أما أنا، فتلك المدة لم أكملها تماما، لأنني وكما عُلم كنت أعجل الناس على حياة. ولذلك لا


المزيد