الاقصى




مدونتي الجديدة................................................................... www.saidb.com

الإعلام العربي بين التبعية الثقافية وغياب الإرادة السياسية- الاعلام المغربي نموذجا

كتبهاسعيد الأمين ، في 30 سبتمبر 2007 الساعة: 14:52 م

مما لا شك فيه أن الإعلام في عصرنا الحديث يعتبر الشريان الأساس لأي تغيير تعرفه الانسانية والدينامو الرئيس لكل بناء مجتمعي باعتباره المادة الأولية للمعرفة والحقل الوحيد الذي تتقاطع فيه كل المجالات الحياتية لقابليته في انتاج وتقييم واستغلال كل ثروة من ثرواتها. وهذا ما نلحظه في حياتنا اليومية فيما يخص سرعة انتقال المعلومات وتداولها وآنية ودقة معالجتها واستغلالها، ولهذا السبب ليس من الغريب من شيء في أن تصب توقعات المختصين في مجال الاعلام ودارسي المستقبليات في كون المجتمع الحالي المتسم بالإنتاج الصناعي يتجه نحو مجتمع الإعلام والمعرفة إن لم يكن قد أصبح كذلك.
ولنفس هذه لاعتبارات السالفة الذكر يمكن أن نقول وبدون مواربة أن الإعلام هو الرأس المال –إلى جانب الموارد البشرية- والمحدد لكل سياسة اقتصادية واجتماعية وثقافية حديثة، الأمر الذي ولسوء الحظ تتجاهله السلطات المسؤولة الرسمية في بلداننا العربية بغياب إرادة سياسية تقوده نحو ثورة حقيقية في هذه المجالات.
وبعكس الدول المتقدمة التي تجعله في طليعة رهاناتها الاستراتيجية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وثقافية وحتى عسكرية، نجد أن الاعلام العربي منمط بشكل مثير للقرف إذ لاهم له سوى نظم القصائد واختيار القوافي والمدح والتصفيق والتطبيل والتزمير للسياسات الحكومية، أما عقلانية هذه المنظومة كسبيل لمشروع مجتمعي واعد ينمي مساراتها السياسية والإقتصادية ويحترم تركيبتها الإجتماعية ومكتسباتها الثقافية فإلى إشعار آخر.
فالإعلام العربي لم يستطع أن ينتزع استقلاليته لعقود وذلك لكونه بعيدا كل البعد عن صوت السواد الأعظم في المجتمع العربي ولإرتباطه الدائم بالنخب المسيطرة على كل دواليب الدولة ولعدم مسايرته للتحولات الإجتماعية التي يعرفها الشارع إضافة إلى "المسخ" الثقافي الذي يعبر عنه بشكل حاد في السنوات الأخيرة.
ففي بلد كالمغرب مثلا، لايمكن الحديث عن مشهد إعلامي خارج التبعية السلطوية من جهة والتبعية الثقافية من جهة أخرى، كما يمكن الذهاب أكثر من ذلك بالحديث عن توليفة يمكن ملاحظتها مصاغة بين هاتين التبعيتين، فيها يختلط النفوذ السياسي بالاقتصادي بالثقافي حيث يكون الضحية هنا هو الشعب والمكتسبات التاريخية والحمولة الثقافية للبلد، وهذه التوليفة تتمثل وبلا شك في المد الفرنكفوني المتنامي والسطوة الفرنسية على كل مناحي الحياة الإعلامية بالمغرب، إذ يقول الكاتب والإعلامي المغربي عبد الصمد بن شريف " فسطوة وهيمنة اللغة الفرنسية أصبح معطى ملموسا وأنصارها يتزايدون بأعداد هائلة" ويضيف في فقرة أخرى من مقالته "فإنهم (أي الوزراء) يحرصون على أن يفعلوا ذلك (أي الحديث وإلقاء التصريحات) بفرنسية تنم عن تشبتهم بشروط ومعايير الإنخراط في صف الحداثة والديمقراطية"، وهذا قول صحيح إذ كثيرا ما لايخجل بعض الحداثويون الفرنكفونيون المغاربة في استشهاداتهم بالنماذج الحداثية من تكرار عبارة "ففي الدول المتقدمة وفرنسا مثلا…" ثم يواصلون ويغالون في تأملاتهم النرجسية اتجاه نموذجهم الأم. كما لايمكنني أن أمر على ما كتبه الأستاذ عبد الصمد بن شريف دون إبداء تحفظي عن الموقف الذي كان قد خلص إليه في بداية مقالته على أنه سيكون في طليعة المطالبين بضرورة تحويل اللغة الفرنسية إلى اللغة الرسمية بالمغرب، كما لو أن الصحفي العامل بالقناة الثانية الدوزيم مع احترامي الشديد له يريد ترويج الأفكار ذاتها ويود القول بصريح العبارة "دستروا الفرنسية أيها البلهاء" رغم أنني لا أنكر، صراحة، واقعية الكاتب في تحليله واستدلاله بالنخب المسيطرة على أجهزة الدولة والإدارة والإقتصاد والاعلام، الشيء الذي يؤكد هذه التوليفة.
وباعتبار الإعلام (بكل أشكاله، الصوت والصورة والنص والإعلان…) منبعا ومصبا في الآن ذاته لكل تصور سياسي إجتماعي واقتصادي وثقافي، سيكون بالنسبة لأبناء ركلوس (سواء منهم الأصليون أو المعدلون وراثيا لهذا الغرض) رهانا أساسيا بغياب استراتيجية وطنية (وأسطر على وطنية) لبسط السيطرة ومسخ الهوية المغربية بكل مكوناتها الإسلامية والعربية والأمازيغية من أجل الترويج للبديل الفرنكفوني في أفق "فرنسا الأم".
إنه لمن العار أن تحظى الفرنسية في القناة الأولى المغربية بنسبة30 بالمائة فيما يخص البرامج المبثوتة، وهي لغة المستعمرين الفرنسيس كما عرفوهم أباءنا وأجدادنا، بينما يبلغ الحيف اللغة الأمازيغية إحدى اللغتين الأصليتين للبلاد ويتم تقزيمها واستصغارها وعرضها على شكل صور فولكلورية كأنها ثقافة عصر حجري عبر واندثر وفي أحسن الأحوال في مادة إخبارية مملة ساعة ما بعد الظهيرة حيث المغاربة نيام.
وحدث ولا حرج عن القناة الثانية، معقل الإعلام الفرنكوفي الأكبر بالمغرب، أسستها في البداية شبكة تي إف 1 الفرنسية إلا أنها عرفت الإفلاس بداية التسعينات وهذا أكبر دليل على إفلاس الطرح الفرنكفوني بالمغربي وأن طبيعة الشعب المغربي ذات المناعة الثقافية القوية لفظتها لفظ النواة لو لا تدخل الدولة بضغوط اللوبيات الفرنكفونية لشراء أسهمها وإنقاذها من البوار. وتقدر المواد المقدمة بالفرنسية فيها بأكثر من 70 بالمائة، ولا أذيع سرا إن قلت أنه من الأشياء التي أشعرتني بالحكة وبالإستفزاز معا هو العلامة الجديدة لهذه القناة على الساتل دوزيم موند، إقتداءا بأختها بالرضاعة تي في 5 موند، كما لو أن القاموس العربي خالية صفحاته من أسماء كـ "العالمية" أو "الفضائية".
وأكتفي هنا بالقناتين الأولى والثانية كنموذجين للتغلغل الفرنكفوني دون ذكر باقي المنابر الإعلامية الفرنكفونية الأخرى البارزة منها والمجهرية التي تتكاثر هذه الأيام كالفطر.
وإن كان الإعلام الفرنكفوني هو النموذج السائد بالمغرب ومعظم البقية الباقية من البلدان المغاربية نظرا لتبعات تركة الحقبة الإستعمارية، فإن المشرق العربي نفسه لم يسلم من التبعية الإعلامية (مع تسجيل بعض الإستثناءات التي يمكن أن تمثل بارقة أمل)، ما يظهر بشكل واضح من ناحية السيطرة والغزو الإعلامي والثقافي الأمريكيين، إذ أن بعض المحطات العربية تنهج إعلاما أمريكيا بالوكالة بدعوى تلفزيون الواقع أو ما شابه، ناهيك عن عدم تمكنه من فرض نفسه كإعلام مستقل بذاته عن السلطات الرسمية من جانب والإديولوجيات الطائفية من جانب آخر.
يقول غريغوري باتسن عن الإعلام بأنه "التباين الذي يصنع التباين"، ولذلك ليس غريبا أن تحظى صناعة الإعلام بكل هذا الإهتمام من طرف الدول المتقدمة والمهيمنة على الوضع العالمي باعتباره عنصرا أساسيا في عملية التغيير وسبيلا استراتيجيا نحو كل هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية وعسكرية، بعكس ما يجري ويدور في عالمنا العربي بكونه مجرد بوق للسلطة الحاكمة وأداة للمتلاعبين بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بلافرنسية, عربيات, مقال, مقالات, مقالات سياسية | السمات:, , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “الإعلام العربي بين التبعية الثقافية وغياب الإرادة السياسية- الاعلام المغربي نموذجا”

  1. ما الجهاز الذي أسهم في تأليب الرأي العام الدولي على الرئيس الراحل صدام حسين؟ ما الجهاز الذي يفضح جرائم أمريكا و حكومتها في العراق؟ ما الجهاز الذي يربط ساكن المشرق بساكن المغرب؟ما الجهاز الذي يوظف لتنميق صورة إسرائيل في العالم؟ لك تحرم الجيوش الأمريكية على الإعلام تغطية بعض العمليات العسكرية الهامة في أفغانستان و العراق؟

    و في نقدك للقنوات التلفزية المغربية فإنها دون شك لا تحصن الهوية المغربية بكل ما تقتضيه حصانة الهوية في سياق التفاعل مع ثقافات أخرى.

    تحياتي أستاذي الكريم.

  2. الأخوة الأعزاء

    تعالوا ندون غدا من اجل العالقين على معبر رفح.

    تعالوا نبدأ غدا حملة التضامن مع أخوة لنا في العروبة وفي الدين.

    تعالوا نقول للجميع: خلوا عندكم دم، خلوا عندك وطنية، خلوا عندكم إنسانية.

    تعالوا نصرخ في وجه الجميع كفى هزلا في مواضع الجد..

    تعالوا نقول لهم جميعا: حرام عليكم يا ظلمة..

    تعالوا نقول لهم جميعا: افتحوا المعبر الآن وليس غدا.

  3. لي نقاش معك في مسألة الإعلام ولكن فيما بعد حتى أركز معك أكثر تحياتي، أدعوك إلى الدخول إلى الموقع التالي وتوقيع تضامنك http://www.stop.ae/files/details.php?pet_id=22 حاول أن تنشره من فضلك تحية طيبة والسلام.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

لا ضير يا يوسف. فأركيولوجيا الذات سبيل لمعرفة الذات. ومن يدري لعلها سبيل تحقيق الذات. فحينما نحلم أننا نحلم فإن ساعة اليقظة غير بعيد. كنت تقول: “لقد أخطأنا، حسبنا أنّا نختزل مسلسل التاريخ بالقفز إلى العالمي، بدون تثبيت مواطن الأقدام، فكان قفزا في الفراغ.. لاحقيقة  إلا للعالمي ولكن سبيله – ياللمفارقة ! هو المحلي، هو معرفة الذات. “لم يكن بوسعك أن تفعل غير ما فعلت. أخطأت، وكان الخطأ حلقة من سلسلة تزداد حلقاتها، تنمو، تكبر لكي تفضي إلى هذا الحلم الذي راودك :  تحقيق الذات. صدقني يا يوسف لاشيء يذهب سدى. كالبذرة تقع على الثرى، تذوي، تشحب، ثم تغور في بطن الأرض. وتمر عليها السنون العجاف وهي كالميتة وما هي بالميتة، ثم ينزل الغيث فإذا هي تخرج شطأها ويشتد عودها وتزهر.سنمر يا يوسف مثلما مررت ويبقى منا روح ما كدد نا من أجله، وما رمنا تحقيقه وقد ردد نا دونه.   .::حسن أوريد::.  عن رواية الحديث والشجن