قرار شجاع سليم خير من ألف اعتدال أليم
كتبهاسعيد الأمين ، في 30 مارس 2007 الساعة: 15:57 م
من حق الشعب العربي أن يتساءل. كيف استحلت معظم الأنظمة العربية وراقت لها فكرة "الاعتدال" التي لم تنطل عليه؟ ولماذا تأبى هذه الأنظمة إلا وأن تظل على خنوعها رغم زفير ينذر بشر عليها محدق؟ ألم تعد حكمة الثعلب التي تتحلى بها فاقدة للصلاحية في عالم الكودزيلا المفترسة أمريكا؟ أليس حريا بها أن تستبدل حكمتها هذه واعتدالها بما ينئ بنفسها وبشعوبها عن "بشرى التغيير" الأمريكية التي بدأت بوادرها على جثة نظام وشعب عربيين؟ أم أن الحكمة تقتضي منها ومن أجهزتها القمعية للسواد الأعظم من الشعب العربي ليس حمايتها له وفقط، وإنما أن يأمن من شرها هي نفسها وفقط؟
إن الإجرام الفاضح الذي تتنفس عليه الحكومات والأنظمة العربية منذ عقود سيظل وسمة عار على جبين هذه الأمة. فقد أصبح الشاب اليافع والشيخ الهرم، والفقير المحتاج والغني الميسور، والمثقف العارف والأمي الجاهل، والقاصي والداني من كل أفراد هذا الوطن من مراكش إلى قطر يعلمون ويدركون أنه كيف تورط حكام عرب في فضائح سجون ومعتقلات سرية ومشانق ومقابر جماعية، وكيف كان تواطؤ بعضهم مع أجهزة المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلية في محافلهم وقممهم وقراراتهم العربية، و كيف حلت على شعوبهم لعنة اتفاقيات "الشالوم" بأوسلو ومدريد وتل أبيب التي أفقدتهم كل شيء حتى كرامتهم التي كانت آخر ما يملكونه، ولا يخفى عليهم كذلك أنه كيف إستمر الحال إلى أيامنا هذه في عصر العولمة وبتنا نرى اقتصاديات الأمة وثرواتها يتم رهنها في أسواق التبادل الحر وفي أمثال إثفاقية الكويز من أجل سواد عيون أمريكا وإسرائيل.
ولو تركنا كل ذلك مما يدركه المواطن العربي وما يتسرب إلى وسائل الإعلام ووضعناه جانبا وطلبنا من التاريخ العربي أن يصف ويحكي عن عظيم وخفايا الأمور التي تورطت فيها أنظمتنا العربية من جبروت واستكبار واستعلاء وخطف وتنكيل وتقتيل وتعذيب وبطش وسلب ونهب وقمع وفساد وديكتاتورية واستبداد…، لتوارى هذا التاريخ خجلا بسبب هذه الحقبة العربية التي لاتبعت ولو بغرام من الفخر والتي تكرست فيها كل نظاهر العجز والتخلف والهوان والإنحطاط والتواطؤ على مكتسبات الأمة إلى درجة أن الفساد مثلا ولسخرية الأقدار تعدى الإكتفاء الذاتي ولم يعد للاستهلاك الداخلي فقط، بل باتت أنظمة تصدره عبر صفقات كصفقة اليمامة التي تورطت فيها بريطانيا مع السعودية. فكأنما يريد تاريخنا أن يقول: وصف الطغيان إزهاق لحقيقة روحه.
إذا عن أي ديمقراطية يتشدقون و بأي اعتدال يحق لهم أن يوصفون. إلا إن كانوا والله أعلم يقصدون به اعتدال واستواء الجلادين على الوضعيات التي تريحهم للضرب بسياط السلطة أو مراهنة المقامرين بمقدسات وثروات الأمة.. رب كلمة قالت لصاحبها دعني.
طالما قدرت موقف الأنظمة العربية بعد سقوط نظام بغداد البعثي وما آلت إليه أوضاع الشعب العراقي وتفهمت مدى تحليها بحكمة الثعلب حين خرج برفقة ابن عمه الذئب وسيدهما الأسد للصيد ذات يوم، فعادوا من رحلتهم بثلاث غزلان. وأمر الأسد ابنا العمين بتقاسم الغنيمة فسأل الذئب أولا: كيف نتقاسم الفرائس؟ فأجاب الذئب: واحدة لك وواحدة لي وواحدة للثعلب، فإنقض عليه الاسد وفصل رأسه ثم سأل الثعلب نفس السؤال، فأجاب الثعلب: الأولى لإفطارك والثانية لغذائك والثالثة لعشائك، فقال الأسد": ومن علمك الحكمة يا ثعلب؟ فرد الحكيم: رأس الذئب الطائر. لكنني بعدما تمعنت كثيرا في هذه القصة وجدت أن ابن المقفع لم يجزم فعلا في أمر نجاة الثعلب ولم يخبرنا عن البقية. هل أنقذت الحكمة الثعلب أم كان للأسد رأي آخر على غرار رأس الذئب الطائر؟
في تقرير أميريكي نشرته صحيفة "واشنطن بوست" صنف خمس زعماء عرب بين أسوء طغاة العالم، وإستند هذا التقرير إلى معلومات من عدة تقارير أخرى كتقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رابتس واتش ومراسلون بلا حدود، ويبقى المصدر الأكثر إثارة للجدل والذي يهمنا في هذا الصدد هو وزارة الخارجية الأميريكية. إذ يوجد من بين هؤلاء الزعماء إضافة إلى المغضوب عليهم والرئيس الروسي فلاديمير بوتن المتعاطف مع إيران، يوجد اثنان وصفت الولايات المتحدة الأميريكية نظاميهما بـ "الاعتدال"، الأول كان صاحب السابقة في تقرير السنة الماضية العاهل السعودي الملك عبد اله وكان يحتل الرتبة السابعة وارتقى إلى رتبة خامس أسوأ ديكتاتور لعام 2006، أما الثاني فهو الوافد الجديد "المعتدل" الرئيس المصري حسني مبارك !!
لا داعي للعجب. إن الإدارة الأميريكية ذكية بما يكفي لتحسن استعمال كلمة "الاعتدال" وتبشر بها، ألم تقل الآية الكريمة "فبشرهم بعذاب أليم"؟. فالبشرى هنا اتخذت المعنى المعاكس لما هو مألوف عنها عند العرب، ولا شك كذلك أن الاعتدال بدوره يدخل عند أمريكا في خانة بشرى العذاب والوعيد لأنظمة عربية وإسلامية، ودليلا على ذلك تلك الخريطة التي تحمل عنوان "شرق أوسط جديد" والتي تريد أن تجعل من دولة كالمملكة المعتدلة العربية السعودية مثلا كيانا في صيغة فعل ماض ناقص، أو بالأحرى بائد. ويذكر مقال للجنرال الأميريكي المتقاعد رالف بيتر مخطط تشظي بلاد الحرمين إلى أربعة أجزاء، جزء سيلحق بما سيسمى بالأردن الكبير وجزء يضاف إلى اليمن والجزء الشرقي المتبقي سيساهم في ظهور دويلة شيعستان، أما مكة المكرمة والمدينة المنورة فسيكونان "فاتيكانا" إسلاميا. قالوا الإعتدال قالوا.. لي عقدها بيديه يفكها بسنيه
هناك مثل شعبي يقول "من يدعي القوة يموت بالضعف"، ويبدوا أن هناك أنظمة لا تزال تدعي القوة وتمارس طغيانها على جلود شعوبها رغم أن حالها المسكينة يدعوا للرأفة بسبب معاناتها المزمنة بفيروس "اليو إس أي" المتسبب بداء فقدان الشجاعة المكتسبة. فبالرغم من كل ما يقع أمام أنظار هؤلاء الزعماء العرب والمسلمين إلا أنهم يصرون على الصمت ويقومون بتغطية الشمس بالغربال وقد اعتادوا على مواصلة التواطؤ في نسف ثروات بلدانهم وتهديد مصالح أوطانهم وشعوبهم، ولو كان الأمر بيد هذه الأخيرة لجاءتهم بجرعات من الشجاعة ولو من شوالات الأخلاق التي تناولها الفأر شولح في رواية المرحوم يوسف السباعي "أرض النفاق"، وذلك لينقذوا ماء الوجه الذي نتمنى مخلصين أن يكون قد تبقى لهم منه شيء.
وبعيدا عن خيال الروايات. وللإنصاف، تبقى أفضل وأنسب طريقة مجربة لإنقاذ ماء الوجه هي تلك التي جرت على الديكتاتور الطاغية الشهيد البطل صدام حسين الذي ختم حياته بعمل بطولي شجاع بأن تحدى الأمريكان وكبر الله وأثنى على المقاومة ونادى بوحدة العراق ونطق بالشهادتين وعمل بنصيحة أحد شعراء بلاده أحمد مطر، فأقرض الله قرضا حسنا وانقرض.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عربيات, مقالات | السمات:مقالات, عربيات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























